الفنان (نور الدين أمين) يبحث في الكامن

المقاله تحت باب  مقالات
في 
26/01/2010 06:00 AM



كتب - محسن الذهبي :
 سأستعير للدلالة في النظر إلى اعمال الفنان التشكيلي العراقي (نور الدين أمين ) بقول الشاعر الروسي العظيم بوشكين في وصف اعمال غوغول: ( يا الهي انه لم يخترع شيئا من عنده بل انه حكى الحقيقة البسيطة...)، فمن السذاجة القول ان اعمال الفنان مجرد العاب فنية في ملعب الموروث الشعبي واستغلاله لها، كما فعل الكثير من الفانيين العرب دون وعي. لكنها عند (نور الدين أمين) بلا شك تعبر عن حالة ابداعية مرئية مطبوعة بداخله فهو يزاوج بين المرئي بدلالته اللغوية واللامرئي الجمالي بدلالته الفنية. فاستعانته بعناصر هندسية وكتابية ماهو الا التصاق بحالة روحانية تبحث في صفاء ملكوتي لارضاء كينونة ذاتية تبحث في هدف ظاهري وهو الهدف الزخرفي المتحرك بألوانه الصاخبة وبين هدف باطني روحاني يسمو بتلك الاشكال والرموز عن شكلها اللغوي والاشاري ليعطيها بعدا قدسيا يرتكز على البنية الجمالية. فقد ارتكز الفنان على مجموعة من الاشارات والرموز مطلقة التجريد ليخلق معادلا ً موضوعياً للامرئي ليشكل قاعدة سايكولوجية تساعد المتلقي على التواصل وتفهم البعد الجمالي لتشكلات الرمز الصوري.
فهو يعتمد في تجريده لتلك الاشكال والرسوم الاشارية والحروفية لاعادة انتاج اعمال تشكيلية تستمد قوتها من اتحاد الفن والموروث. فما التجريد الا بحث عن المشخص الكامن في أعماق الشيء وتشييد فضاء هارموني تشكيلي مغر للعين. فالمبدع الحقيقي هو الذي يصل الى مستوى من السمو الروحي يريد من ذلك تقديم شيء غير معتاد للجمهور المتلقي وعلى اختلاف وعيه وثقافته وليضيف عناصر جديدة الى المعرفة البصرية مبتعدا عن الاستهلاك للفن الفولكلوري والتراث الشعبي بخلق عوالم خاصة به.
إن (نور الدين أمين) يشتغل على ذاته كفنان له خصوصيته الرمزية وكمبدع يحاول ان يتميز في اعادة صياغة ثقافته المحلية لاضافته كمنجز تشكيلي يغني الثقافة العالمية ويبحث عن الخلود في ذاكرة المتلقي. فكما يقول رولان بارت ( ان الأثر لا يخلد لكونه فرض معنى وحيدا على أناس مختلفين، وانما لكونه يوحي بمعان مختلفة لانسان وحيد، يتكلم دائما اللغة الرمزية نفسها خلال أزمنة متعددة).
ان مدلولات الفنان ترتكز على ثلاث عناصر هي الرمز والواقع والاسطورة لذا نجده يحول كل مرموز الى شكل اسطوري ليعطيه بعدا ما قد نجد له تفسيرا واقعياً في ذاكرتنا على الاقل. ان التنافذ المشهدي في لوحات الفنان للمعاني ينفتح بشكل دائم على المطلق. وهكذا فلوحاته تحمل قدرا من وضوح الرؤية بقدر ما تختزن من الموروث الثقافي والايحاءات المتخفية في احتمالاتها، لتكون محوراً مركزياً في نسيج المنتج الابداعي. فهو يعطي للحيز الباطني مدلولات طفولية وكأنه يكشف عن حيز رؤيوي ينمو كصور لحلم متكرر او متفرد وبطريقة استبداليه متطابقة مع مفرداته التشكيلية كاشفا عن السر الجمالي للمشهدية الرمزية بلغة تشكيلية حديثة تحاول تكثيف علاقة ايقاع النسق الرؤيوي الجمالي واستنطاق المضمر وغير المرئي للرمز عبر التحول من ثيمة الى اخرى وتمازج واضح بين اليومي بالاسطوري، والابدي بالحلمي ....وليجعل من ذلك الرمز هاجساً للعملية الابداعية وباعثاً على المتخيل.
ان الفنان يحاول جاهدا ان يعري الواقع من خلال الرمز الاسطوري فيعريه ويعيد طرحه وتكراره في بعض الاحيان لينزع عنه اقنعة الغموض المبني عليه اساسا ويضيف اليه غموضا مستحدثاً محاولا ان ينتج سردية حكائية معاصرة يتداخل فيها فضاء الوجود مع فضاء الفراغ منتجا سردية متنامية في تشكيلات حلمية متنوعة تربط بشكل ما وبتلقائية بين الفضاء القصدي ومدلولاته وبطريقة استبدالية وتطابقية احيانا، تتحرك بين مفردات وثيمات لا تتجاوز مفردات التراث والحلم.
ومن هنا تأتي اهمية الرموز في خلق هذا التمازج وهاجس للفنان وباعث على ايقاظ المتخيل لديه. فالحلم الطفولي يشكل المظهر الاول ومحوراً جوهرياً في تحريك تلك البراءه ليوقظ في المتلقي مرموزات للذاكرة الجمعية والذاتية في ذات الوقت، انه يجدد صياغة تلك الرموز بغية اضافة الفائض المدلولي للاشكال وتكراريتها من خلال ايجاد زمن ابداعي يتجاوز الزمن الواقعي ويعيد تكثيف وصياغة الما ورائية من خلال ايجاد رؤيوية تتمايز وترتكز على اركيولوجية للذاكرة.
لقد استطاع الفنان العراقي (نور الدين أمين) المغترب في المانيا منذ عام 2000 والمولود في (كركوك ـ العراق عام 1966 )، وهو من عائلة فنية معروفة تميز ابناؤها الخمسة وكل واحد منهم شكل حضوراً تشكيلياً واضحاً ومتميزاً في الساحة التشكيلية العراقية والمغترب، أن يتخطى حدود محليته كما سائر أخوته، ليقدم لنا اسلوبا يعتمد على الموروث الشعبي العراقي بكل الوان طيفه الثقافي واعادة انتاجها بقالب يمازج بين ذلك الموروث والخيال الفني كي يصل بأقرب الطرق الى اعادة صياغة وعي المتلقي فهو عبر اعماله يستند الى ما هو اساسي وجوهري في وجدانه الحضاري دون الابتعاد عن خصوصية الطرح الاسلوبي وتفرده في استثمار تلك الاشارية الطلسمية الشعبية والحروفية الكتابية والصورية الاشارية المغرقة في محليتها لنقلها الى العالم وتقديمها كدلالة جمالية وبرؤية معاصرة.
 
القدس العربي